أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
9
شرح مقامات الحريري
السارون : الماشون بالليل . عانه : أصابه بالعين . ازورّ : انقبض . عاف : كره : عافى العرف : طالب المعروف . عرفانه : معرفته . همّه : أذابه وشانه : عابه . ومن كلام العرب في هذا الباب ، ما حكى الأصمعيّ رحمه اللّه : أنّ الأعراب أصابتهم سنوات كثيرة جدبة ، فدخلت طائفة منهم البصرة وبين أيديهم أعرابي يقول : أيّها الناس ، إخوانكم في الدين ، وشركاؤكم في الإسلام ، عابر وسبيل وفلّال بؤس ، وصرعى جدب ، تتابعت علينا سنون ثلاث غيّرت النّعم ، وأكلت النّعم ، فأكلنا ما بقي من جلودها فوق عظامها ، فلم نزل نعلّل بذلك نفوسنا ، ونمنّي بالغيث قلوبنا ، حتى عاد مختارا ، وعاد إشراقنا ظلاما ، فأقبلنا إليكم يصرعنا الوعر ، وينكينا السهل ، وهذه آثار مصائبنا لائحة في قسماتنا . فرحم اللّه متصدّقا من كثير ، أو مواسيا من قليل ، فلقد عظمت الحاجة ، وكسف البال ، وبلغ المجهود ، واللّه يجزي المتصدّقين . وقف أعرابي على حلقة يونس النحويّ ، فقال : الحمد للّه ، وأعوذ به أن أذكّر به وأنساه ، إنّا أناس قد قدمنا هذه المدينة : ثلاثون رجلا ، لا ندفن ميّتا ، ولا نتحوّل عن منزل ، وإن كرهناه ، فرحم اللّه عبدا تصدّق على ابن سبيل ، ونضو طريق ، وفلّ سنة ، فإنه لا قليل من الأجر ، ولا غنى عن اللّه . ولا عمل بعد الموت ، يقول اللّه تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ * [ البقرة : 245 ] و [ الحديد : 11 ] ، إن اللّه لا يستقرض من عوز ، ولكن ليبلو أخبار عباده . قال الأصمعيّ رحمه اللّه : وقف أعرابيّ علينا ، فقال : تتابعت علينا سنون ، بتغيير وانتقاص ، فما تركت لنا ضيعا « 1 » ولا ريعا « 2 » ، ولا نافطة ولا عافطة « 3 » ، ولا ثاغية « 4 » ولا راغية « 5 » ، فأماتت الضّرع وأفنت الزّرع ، وعندكم من فضل اللّه نعمة فأعينوا من عطيّة اللّه إياكم ، وارحموا أبا أيتام ، وأنضاء زمان ، فلقد خلّفت أقواما لا يمرّضون مريضهم ولا يكفّنون ميتهم ، ولا ينتقلون من المنزل وإن كرهوه ، ولقد مشيت إليكم حتى انتعلت الدماء ، وجعت حتى أكلت النوى المحرقة . وقفت أعرابية على عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه ، فقالت : إنّي أتيت من أرض شاسعة ، تهبطني هابطة ، وترفعني رافعة ، في ملحّات من البلايا ، برين لحمي ، وهضن عظمي ، وتركتني والهة ، وقد ضاق بي البلد ، بعد الأهل والولد ، وكثرة العدد ، لا قرابة تؤويني ، ولا عشيرة تحميني فسألت أحياء العرب : من المرتجى سيبه ، المأمون عيبه ، الكثير نائله ، المكفي سائله ، فدللت عليك ، وأنا امرأة من هوازن ، فقدت الوالد والرّافد ، فاصنع في أمري واحدة من ثلاث : إمّا أن تحسن صفدي « 6 » ، وإما أن تقيم
--> ( 1 ) الضيع ، جمع ضيعة : هي العقار . ( 2 ) الربع : مسيل الوادي من كل مكان مرتفع . ( 3 ) النافطة والعافطة : هي النعجة . ( 4 ) الثغاء : هو صوت الغنم . ( 5 ) الرغاء : هو صوت البعير أو الناقة . ( 6 ) الصفد : هو العطاء .